«دفتر القاهرة الـ 100».. هوامش في مغامرات التميمي الذي عشق المحروسة

 

 

يقول الكاتب الكبير محمود السعدني فى كتابه « مصر من تاني»، إن تاريخ العالم هو تاريخ السلطة لأن التاريخ – مع الأسف الشديد – لا يهتم بالشعوب، ولا يحترم الضعفاء ولا يتعقب المغمورين، ولهذا السبب أيضًا فالتاريخ أكثره مزيف.

نعم.. هذا الرأى صائب فى كثير منه، لكنه لا يأخذ منحى “التعميم”، حيث إن هناك الكثير يهتمون بتعقب حركة الشعوب والعمال والفلاحين، في حين لا يلتفت آخرون إلا للملوك والأمراء والسلاطين، حيث الرصد الدقيق للأحداث وكيف مات هذا؟ وكيف قُتل ذاك؟ .. إلخ.

وكل هذا يجري فى الكثير من الأحيان فى رحاب العاصمة، أى فى رحاب القاهرة.. هذه المدينة التى ولدت منذ ألف عام وأكثر، واعتبرت لسنوات عاصمة البلاد السياسية، ومقر الخلافة الإسلامية، منذ نزل بها الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وفى هذا الإطار.. فالحديث عنها يحتاج الكثير من التحضير والمراجعة والمذاكرة ( إن جاز التعبير).. والبحث عن فصولها الضائعة يحتاج أيضًا الكثير من البحث والتدقيق والتقصي.

وهذا البحث المستفيض، والرصد الدقيق، لا يمكن أن يقوم به إلا باحث نهم، لا يكف عن السؤال والاستفسار.. وذلك حتى يعرف لماذا تم ذلك؟ .. ومتى تأسس ذاك؟ .. إلخ.

ومن هذا المنطلق، اندفعت إلى مقر “بيت المعمار المصري” فى محيط السيدة عائشة (رضي الله عنها)، السبت الماضي، حيث تقع ندوة بعنوان (أرواح فى المدينة)، والتى يقدمها الكاتب الصحفي محمود التميمي، والتي جاءت في سياق مشروع ثقافي يحمل اسم القاهرة تحت شعار « القاهرة عنواني».

وبالطبع لن يبالغ كاتب هذه السطور فى الإشادة بما عرضه التميمي فى هذه الندوة، خاصة أن المذيع المعروف ومدير البرامج، لم يسبق له أن قدم (سجلاتٍ تاريخية) مثل هذه الذي قدمها مستندًا إلى العديد من الوثائق والصحف.

فى البداية.. تحدث الكاتب الصحفي محمود التميمي، عن تاريخ القاهرة الممتد، وتأثيرها عليه، وسحرها الذى استولى عليه كليًا.

تلى ذلك، أن قام بعرض العديد من الفصول والأحداث التاريخية، التى وثقتها الصحافة حينها، من جرائد ومجلات مختلفة مثل مجلة “اللطائف” و “المصور” .. وغيرها.
أحداث مثل .. احتفالات المصريين بيوم وفاء النيل، وكيف تعامل الشعب مع هذا اليوم من كل عام؟ وماذا قالت الصحافة وقتها وانعاكس ذلك على الناس؟ .. ثم رصد التميمي أيضًا مظاهر احتفال الدولة كاملة حكومة وشعبًا، بتأسيس تمثال نهضة مصر، الذى قام بنحته الفنان الرائع محمود مختار، حيث كشف التميمي عن حضور الملك فؤاد الأول الحفل الختامي، وقيام أحد المواطنين بإعداد سرادق ممتد والذى كلفه الكثير من الأموال للاحتفال بهذا اليوم.

ومستدعيًا أرواحًا كثيرة من الماضي، تناول التميمي خلال عرضه أيضًا شخصيات كانت ملء السمع والبصر فى فترة العشرينات والثلاثينات، لكنها لم تنل مساحة لائقة فى التاريخ بسببب تأخرها عن سباق (الكاسيت، والتصوير، وتقنية الفيديو).. وخير مثال على ذلك كان حامد أفندي مرسي، هذا الفنان المشهور، الذى كان نجمًا لامعًا فترة العشرينات يقترب نسبيًا من سطوع ونجومية الملحن والفنان التاريخي “عبدالوهاب”، ولكن صيته وحتى اسمه لم يصل إلى العامة الآن، وذلك بسبب ندرة ما سجله أو صوره، حتى أنه ظهر في دور ثاني فى فيلم “بداية ونهاية”.

وعلى طريقته الخاصة، ظل التميمي يستدعي أرواحًا من الماضي، متنقلًا من حقبة زمنية إلى أخرى، من العشرينات ونجومها الذين تخلفوا عن عصر الفيديو والتصويرر، مرورًا بالثلاثينات والأربعينات والخمسينات، الذين لحقوا بركب التصوير والحفلات الساهرة على شواطئ النيل.

وبالرغم من امتداد اللقاء إلى ثلاثة ساعات وهو وقت طويل، إلى أن التميمي الذى يختزن قدر كبير من الموهبة الإخراجية، تمكن من التغلب على الرتابة والملل، إذ عاد بنا إلى “روائح الزمن الجميل”، مستدعيًا مواقف الشهامة والنخوة التى كانت تملء الشعب المصري، والتى كانت حاضرة بقوة فى فترات زمنية ماضية.

ليس هذا فقط ما أشار إليه التميمي فى اللقاء الطويل الذى بدأ فى السادسة والنصف، بل استعرض أيضًا العديد من المواقف والأحداث التى عنونها فى عرضه بكلمة (المآسي)، وهى عبارة عن حوادث وقعت فى فترات العشرينات والثلاثينات وحتى الأربعينات، والتى كانت من نصيب عدد من الفنانيين والشخصيات السياسية الكبيرة، مثل محاولة القتل الذى تعرض لها الفنان حامد أفندي، والذى سبق أن أشرنا إليه ولكنها أحبطت بسبب حس رجال الشرطة وقتها.

محمود التميمي، القاهري الذى نشأ فى المنيل، وتربى بين جنبات القلعة والسيدة عائشة والسيدة زينب، والحسين، اختار بدقة بيت المعمار المصري، حتى يكون موطن لسلسلة ندواته، والتى سيتولها علينا خلال الفترة المقبلة، وهو فى رأيي اختيارًا حالفه الصواب.. فلا يمكن أن تنطلق إلا التراث من التجمع.

نالت الملكية جانبًا من ندوة “أروح المدينة”، حيث سلط التميمي الضوء على قصص زواج الملك فاروق سواء بالملكة فريدة أو نارميان، وأيضًا ما يتعلق بالعلاقة العاطفية التى ربطت الملكة الأم نازلي برئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا، وكيف خلفت هذه الأمور تأثيرًا سلبيًا عليهم جميعًا.

ومن الملكية وحياة العز ومآسي القصور، إلى الفلاح الذى أشار إليه التميمي بأنه أقدم عبد فى هذه الدنيا، وهي جملة قالها أحد الكتاب الصحفيين فى ذلك الوقت، والذى وصفه بأن أسوأ حالًا من اللاجئين.

هؤلاء الفلاحون الذين عملوا عبيدًا عند رجال الثروة وتم بخث حقوقهم، وإهدار كرامتهم، حتى جاءت ثورة الضباط ومنحتهم الحقوق وسلبت من جلاديهم المكتسبات.. هكذا أشار التميمي بالرغم من اعتداله ورغبته المستمرة فى التوازن ورأيه بأن فترة الناصرية عليها الكثير ولها الكثير.

وختامًا، أود أن أشير إلى عدد من النقاط التى أرى أنها هامة فى هذا الإطار:-

– نجح التميمي فى توصيل فكرته باستدعاء أرواح الماضي إلى الذاكرة، وحقق أيضًا قبولًا كبيرًا فى تحليله ورصده أمام المتخصصين فى التاريخ والمعمار.

– بالرغم من بحثه ورصده الدقيق للأحداث، إلا أنني رأيته عاشقًا هائمًا فى حب القاهرة أكثر من كونها مادة مجردة، وهو أمر يحمل شق إيجابي وآخر سلبي ولكنه ضئيل.

– تأكد لي من تناول التميمي لما ذكرته الصحافة بشأن الأحداث والشخصيات، أن كل خليفة حي هو ينبوع الحكمة والشجاعة، ومصدر للجهل والنطاعة إذا توفى.

– لقد اتسع العمران فى القاهرة اتساعًا عظيمًا وهو أمر أتمنى أن يشير إليه الأستاذ محمود التميمي فى ندواته المقبلة.

– استدعاء شخصيات لها تاريخ فى الماضي، هو أمر إيجابي للغاية، خاصة أن الذاكرة المصرية بشكلٍ عام تعاني من النسيان المزمن.

– اتساع القاهرة ليس فقط فى المساحة، بل بقدر ما نالته من تاريخ وأحداث وهذا يستوجب الإكثار من الكتابة عنها ومطالعة كافة فصولها أيضًا، وذكرها فى كل حين.

– يجب على الكاتب الصحفي محمود التميمي، أن يقوم بتوظيف قدراته الإعلامية فورًا وأن يحول هذه السلسلة إلى فيديوهات مصورة.

– لفت نظري كثيرًا هذا الصوت البديع والتغريدات الرائعة للدكتورة غادة العبسي، والتى أرى أنها فنانة ذات قدرات كبيرة وتحتاج إلى أن تنفجر موهبتها الفذة فى أغلب المناسبات المقبلة.

– إذا قلت إن التميمي، يضع فى أولوياته الإخراج أو الإدارة أو التقديم التليفزيوني سوف أقول بملء ما عندي أنت مخطئ.. هذا صحفي يعشق مهنته وسيأخذه التيه إذا تركها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار