د.محمد حسن خليل يكتب .. موجة الخصخصة والإفقار والمقاومة

 

تشتعل الآن موجة جديدة من الخصخصة تطال مصنع الحديد والصلب بحلوان، وسماد طلخا، وكفر الدوار للغزل، مع تعديلات لقانون قطاع الأعمال العام تتيح الخصخصة بالجملة، وتتضح نتائجها وتطبيقاتها في قطاع الغزل والنسيج وغيره، فضلا عما يصاحب هذا من افتئات على حقوق العاملين والإطاحة بمكتسبات لهم في الحوافز والعلاوات والمعاشات، مما استثار مقاومة واحتجاجات عمالية في أماكن متعددة.

وليس هذا بغريب في سياق التدهور الاقتصادي الاجتماعي المستمر منذ بداية الانفتاح عام 1974. لقد كان تبنى سياسة الانفتاح بعد حرب أكتوبر إيذانا بانتقال القرار السياسي من اليد المصرية إلى اليد الأمريكية وأدواتها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية وبعثاتهم المقيمة في جميع الوزارات المصرية منذ ذلك التاريخ وبالذات منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978.

وإذا كانت سياسة الانفتاح قد بدأت بانفتاح الأسواق التجارية وانفتاح سوق الاستثمار في مصر على العرب والأجانب من كل لون، مع تحرير تدريجي للعملة وتخفيض لقيمتها، فقد كانت علامة الانتقال الواسع نحو خصخصة أصولنا الإنتاجية وتسليمها بالبخس للأجانب هو اتفاق التثبيت والتكيف الهيكلي مع البنك والصندوق الدوليين عام 1991. أهم نتائج هذا الاتفاق تمثلت في قانون الخصخصة للقطاع العام، القانون رقم 203 لسنة 1991. حول القانون القطاع العام إلى قانون قطاع أعمال عام يبيح خصخصته بالبيع والمشاركة وكافة أشكال التصرف. كما أقر كذلك قانون البورصة المصرية رقم 95 لسنة 1992 لإتاحة أحد قنوات الخصخصة الهامة عن طريق البورصة.

منذ ذلك التاريخ مرت الخصخصة بأربع مراحل:

استمرت المرحلة الأولى منذ صدور القانون وحتى عام 2003 بخصخصة بطيئة خجولة نظرا للرفض العمالي والشعبي، ولبعض من المقاومة الحكومية، بحيث لم تتم خصخصة سوى 30% من رؤوس أموال القطاع العام التي تم خصخصتها قبل ثورة يناير 2011.

تميزت المرحلة الثانية بانطلاق موجة الخصخصة العالية بدءا من أعوام 2004 وحتى نهاية عام 2010 عشية الثورة في ظل حكم لجنة سياسات جمال مبارك ووزارة نظيف، حيث تم خصخصة 70% من رؤوس أموال شركات القطاع العام  التي تم خصخصتها حتى الثورة.

كانت إجراءات لجنة السياسات بدءا من التعويم المحكوم للجنيه المصري في مواجهة الدولار وتخفيضه بنسبة 60%، مع سياسات تخفيض الدعم والسياسات الاقتصادية الانكماشية فضلا عن الخصخصة، كانت النتيجة هي زيادة الغلاء والبطالة وتدهور مستوى معيشة الجماهير وتنامى الحركات الاجتماعية والعمالية وتصاعدها حتى انطلقت ثورة 25 يناير عام 2011.

بدأت المرحلة الثالثة بتباطؤ الخصخصة بعد الثورة العنيفة ضد تلك السياسات، واستمرت حتى نهاية عام 2014. بل إنه عندما بدأت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لإعطاء مصر قرضا عام 2012 في أزمتها الاقتصادية، لابد وأن يكون بالضرورة مشروطا بالسياسات الانكماشية ودعم الخصخصة، رفض المجلس العسكري وأعطى الجيش المصري قرضا بقيمة مليار دولار من ميزانيته الخاصة.

تم استعادة وتثبيت أركان النظام القديم في أعقاب الثورة، وبدأ خفوت الحركة الجماهيرية في ظل المعركة مع الإخوان عقب الإطاحة بسلطتهم. وتم إقرار الدستور وانتخاب رئيس الجمهورية و البرلمان، وبعد استعادة مغازلة مؤسسات التمويل الدولية للنظام واستغلال سوء إدارته لأزمته الاقتصادية لتمرير المزيد من السياسات الانكماشية وسياسات الخصخصة بدءا من عام 2015.

وبهذا انطلقت المرحلة الرابعة لتكثيف السياسات الانكماشية بتخفيض الدعم وغلاء الأسعار وتدهور الخدمات، وانطلاق الخصخصة وإتاحة المجال لنهب ثروات شعبنا الإنتاجية التي بناها بعرقه عبر العقود. تم وضع الأساس القانوني لكل ذلك في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لعام 2016. ففي مقابل قرض الصندوق لمصر ب 12 مليار دولار تم تخفيض قيمة الجنية ليصبح الدولار بعشرين جنيها ثم ينخفض تدريجيا إلى 16 جنيها بدلا من 7.7 جنيها أوائل عام 2016. كما بدأ التعويم الكامل للجنيه أمام الدولار بدلا من التعويم المحكوم الذي أقر عام 2003، بما يعنيه من رفع للأسعار، كما تم النص على خصخصة ما قيمته نسبة هامة من الناتج المحلى الإجمالي من أصول الدولة.

وبالطبع فالهدف من كل تلك السياسات الداعية للخصخصة والتقشف هو المزيد من إدماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي من موقع التابع، وتعميق التبعية تدريجيا، حيث تتلخص تلك التبعية في توجيه الاقتصاد إلى إشباع احتياجات السوق العالمي على حساب التوجه للاستجابة لاحتياجات الجماهير. وتهدف تلك السياسات إلى تدمير مقومات الاستقلال الذاتي من أجل تسويق فائض الإنتاج في دول الغرب داخل سوقنا المحلية من خلال تحرير التجارة، كما تهدف إلى إتاحة المجال لرؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في سوقنا، ذلك الاستثمار الذي لا ينشئ عادة قدرات إنتاجية جديدة ولكنه يستولى بالبخس على الاستثمارات الحكومية المتراكمة.

وتهدف سياسات الخصخصة إلى تركيز الصناعات المحلية على الصناعات الملوثة للبيئة مثل صناعة الأسمنت والسيراميك والأسمدة تلبية لاحتياجات السوق العالمي الذي أخذ يطردها خارجه حفاظا على بيئته. كما يركز على وأد الصناعات الاستراتيجية التي تعمق الاستقلال الذاتي للسوق، وتبدى هذا في بدء الخصخصة بشركة المراجل البخارية، وكذلك على استهداف صناعاتنا الاستراتيجية مثل مجمع الحديد والصلب بحلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي. وتلك هي الأهداف الدائمة حتى بعد برنامج الخصخصة المتضمن في قرض صندوق النقد للفترة 2016- 2019 من خلال ما سمى بالقرض التكميلي بعد انتهاء القرض الأول.

تمت محاولات خصخصة مجمع الحديد والصلب منذ البداية ولكنها ووجهت بمقاومة عنيفة من العاملين ونقابة المصنع وقيادات الرأي بالمجتمع المصري. وبالطبع هذا ليس بمستغرب، فالمصنع عند إنشائه كان يستهدف أن يكون مصنعا لصنع المصانع، بقيامه بصنع حديد التسليح بكافة الأقطار، وكان الوحيد الذى ينتج الأقطار الضخمة وكذلك كمرات الحديد بكل المقاسات حتى شديدة الضخامة، والتي تستعمل في الكباري، ويقوم بدرفلة الحديد وينتج ألواح الحديد بمختلف التخانات، مع اشتماله على وحدة متقدمة لإنتاج الصلب الضروري للصناعات المتقدمة مثل صناعة المخارط بأسلحتها، وكافة منتجات الصلب. وضم المصنع في أيام قوته نحو ستة وعشرين ألف عامل ومهندس.

لهذا تلقت مخططات اشتعال خصخصة ما تبقى من قطاع أعمال عام دفعة ضخمة من خلال إقرار تعديلات على قانون قطاع الأعمال العام 203 لسنة 1991 بإقرار القانون رقم 185 لسنة 2020 في سبتمبر الماضي، وهي تعديلات توسع بشدة من إمكانيات تحويل آية شركة من الشركات الخاضعة لقانون القطاع العام إلى شركة تعمل وفق قانون الشركات المساهمة رقم 159 لسنة 1981، مما يسهل طرح أسهمها في البورصة وخصخصتها بقرارات تنفيذية.

ولكن تلك السنين لم تمضِ عبثا على مخططي الخصخصة:

فهناك المخططات الدنيئة للتخريب والتخسير: تم وقف التعيينات بالكامل مع تناقص العمالة بالإحالة للمعاش والإجازات للسفر للعمل بالخارج حتى تناقص عدد العاملين به إلى آلاف قليلة، كما تم إغلاق وحدة صناعة الصلب المتقدمة منذ عقود، وعانى المصنع من أزمة السيولة منذ أن توقفت الحكومة عن ضمان إقراض كل منشآت القطاع العام لإضعافها، وتوقفت سياسات الإحلال والتجديد حتى صار المصنع يعمل منذ سنوات كثيرة ب 11% من طاقته، حيث لا يعمل سوى فرن صهر واحد من أربعة أفران بأقل من نصف طاقته وفى مخطط امتصاص السخط على أوضاع المصنع قامت الحكومة بعمل عدة مناقصات للتجديد الشامل للمصنع، وتم تقديم عدة مشاريع للترميم إنجليزية وروسية وهندية، ولم تكن التكلفة لتتجاوز عشر تكلفة مجموعة من الكباري أو جزءا بسيطا من العاصمة الجديدة، ولكن لم تكن هناك جديّة فعلية لعمل ذلك التجديد، انتظارا لفرصة سانحة للخصخصة.

وتم الإعلان يوم 11 يناير الحالي عن خطة الخصخصة في قرارات الجمعية العمومية بتصفية مصنع حلوان لعدم جدوى استمراريته بعد ارتفاع خسائر الشركة وعدم القدرة على الإنتاج مجددا. (؟!!!) وأقرت الجمعية بدء تقسيم الشركة وفقا لأسلوب التقسيم الأفقي إلى شركة الحديد والصلب المصرية “القاسمة”، وشركة جديدة باسم شركة الحديد والصلب للمناجم والمحاجر “منقسمة”. وبعد هذا تجتمع الجمعية العمومية للشركة المصرية للحديد والصلب لمدة 15 دقيقة فقط تأخذ فيها قرارا بتصفية الشركة التي كان انشاؤها عام 1953 وتوسعتها عام 1968-1971 علامة ضخمة على تطور النمو المستقل نسبيا في مصر. وقال هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام أن هذا يأتي في إطار خطط الوزارة لتقليص عدد الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام سعيا لجعله أكثر تنافسية (؟؟!!!).

ويتم تصفية شركة الدلتا للأسمدة بطلخا (2500 عمالة مباشرة و7000 عمالة غير مباشرة) بتفكيكها ودمجها في شركة السويس للأسمدة، الأصغر منها بكثير، رغم تعثرها هي الأخرى، وتحويل أرضها على النيل إلى مجمع سكنى! وبالمثل يتقرر هدم شركة غزل كفر الدوار من أجل إنشاء مجمع سكنى (!) للسكان الذين سيتم إجلاؤهم من مناطق سكنهم لإنشاء طريق دائري (!!!).

ومن أدوات الخصخصة إنشاء الصندوق السيادي المصري بمقتضى القانون رقم 177 لسنة 2018 من أجل ما يسمى باستغلال أصول الدولة غير المستغلة، لجذب الاستثمارات الخاصة وتشجيع الاستثمار المشترك. وبما أن الصندوق ينشأ بقرار من رئيس الجمهورية ويرأسه وزير التخطيط، وبما أنه ينتقل إليه ما يسمى بالأصول غير المستغلة التي تشمل الأراضي الفضاء المحيطة بأي شركة أو مرفق حكومي، فإن هذا يعطى السلطة التنفيذية وحدها حق خصخصة تلك الأصول والإيغال في الاستثمار العقاري غير المنتج.

وتترافق الخصخصة مع الانتقاص من ضمانات وحقوق العاملين مراعاة لزيادة ربح المستثمرين. واتضح هذا من مشروع لائحة الموارد البشرية الموحد للعاملين بقطاع الأعمال العام. الهدف المعلن لمشروع اللائحة الجديدة لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003 لكى تكون لائحة موحدة بدلا من لائحة لكل شركة تضعها بنفسها. ولكن اللائحة تنتقص بشدة من حقوق العمال حتى المقررة بقانون العمل في تسهيل إجراءات وضوابط تخفيض العمالة (تمهيدا للتصفية؟!) والانتقاص من المزايا التي يتمتعون بها في العلاوات الدورية والحوافز والأرباح والتأمين الصحي والتأمين التكافلي.

من أجل كل تلك التعديات على حقوق العاملين وإجراءات التصفية والخصخصة تطورت المقاومة العمالية، فشهدنا إضراب عمال طلخا للسماد في ديسمبر الماضي، وإضراب عمال غزل كفر الدوار في نفس الشهر، وانتشرت الاحتجاجات الواسعة على لائحة الموارد البشرية وامتدت الاعتراضات لتشمل النقابة العامة، بل ومجلس الدولة أيضا. كل هذا والحكومة لا تعتبر من درس كيف قاد الإيغال في سياسات إفقار الجماهير والخصخصة إلى تفجر ثورة يناير.

إننا نرفض بالطبع كل تلك الإجراءات للخصخصة وتمرير السياسات التقشفية النيوليبرالية، والتي تقود لإفقار الجماهير وتدعم التبعية للقوى الاستعمارية الخارجية، نرفض تدمير مستقبل التنمية الذي لا يتحقق إلا بالتصنيع وتطوير الإنتاج وتطوير القوى البشرية من خلال تطوير التعليم والصحة. نرفض سياسات زيادة البطالة، والاعتداء على حقوق العاملين وتقليل امتيازاتهم النقدية والعينية. وإننا نثق تماما في أن سعى الجماهير لمقاومة الخصخصة والدفاع عن حقوقها في الحياة سوف ينتصر في النهاية مهما قابل من تعثرات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار
إغلاق