دكتور محمد حسن خليل يكتب :كوفيد 19 من أين وإلى أين

تعتبر جائحة كوفيد 19 المعروفة بوباء كورونا أكبر تحد تواجهه البشرية منذ الحرب العالمية الثانية. والبحث فى نشأة المرض من ناحية ومآله من ناحية أخرى يحتاج إلى إعمال نظر، فلا يكفى مثلا القول بأن السبب هو فيروس من سلالة كوفيد، حتى وإن تم بنجاح عزل الفيروس ومعرفة الخريطة الجينية له. كما أن نظرية المؤامرة التى تُتَّهم أمريكا حينا والصين حينا آخر بالتسبب فى الوباء لم تجد أدلة قاطعة عليها حتى الآن.

بدلا من ذلك فلنتأمل فى الوباء من وجهة نظر أخرى. يأتى الوباء كأحدث وباء فى سلسلة طويلة نسبيا من الأوبئة التى انتشرت فى القرن الواحد والعشرين. لقد انتشر وباء كوفيد سارس فى الصين عام 2002 وفى أنحاء أخرى من العالم عام 2003، وانتشر فيروس أنفلونزا الطيورH1N5 عام 1997، وانتشر ثانية بشكل أوسع عام 2003. أما وباء أنفلونزا الخنازير H1N1 فانتشر عام 2009، وانتشر وباء الإيبولا فى غينيا (حيث يعتقد أن الحالة الأولى كانت لطفل فى الثانية من عمره اعتاد أن يلعب تحت شجرة بجوار بيته تعشش فيها الخفافيش، وربما تكون يده قد تلوثت ببرازها) ثم فى أفريقيا سنة 2013. كما انتشر وباء كورونا الشرق الأوسط أو MERS عام 2013 فى السعودية والشرق الأوسط. وانتشر وباء زيكا فى البرازيل عام 2015، ومنها إلى الكثير من دول أمريكا اللاتينية.

المشترك بين هذه الأوبئة هو أنها تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، ويقدر العلماء أن 75% من كل الأوبئة الجديدة فى الفترات الأخيرة متنقلة من كائنات أخرى. فى الحقيقة توجد بكتيريا وفيروسات بالذات “متخصصة” لكل جنس من أجناس الحيوان، وليس من الشائع، ولم يٌعرف أنه حدث من قبل، على الأقل فى مثل هذا النطاق الواسع، انتقال الفيروسات بكثرة من كائن لآخر أو من كائن لإنسان فما هو السبب فى تلك الظاهرة؟

يكمن السبب فى أن الإنسان أخذ فى العدوان على الطبيعة بشكل متزايد دون حساب للأعباء البيئية المترتبة على مختلف الأنشطة الإنسانية. انتشرت ظواهر استئصال الغابات من أجل الأخشاب بمعدلات مريعة، وكذلك العدوان عليها من خلال إنشاء الطرق والمدن وسطها، وزراعة الأرض بمحاصيل تجارية بدلا من الأشجار، وأنشطة حفر المناجم وسط مناطق الغابات. أدى كل ذلك إلى التقليص الشديد فى البيئة الطبيعية التى تعيش فيها الكثير من الكائنات ودفع تلك الكائنات إلى العيش على أطراف المدن والاختلاط بالناس بشكل متزايد مما أدى إلى تبادل الفيروسات وتحور الفيروسات التى كانت قاصرة على الحيوانات بحيث تصيب الإنسان. أيضا من العناصر المساعدة الأقل أهمية، والتى تسبب مزيدا من الاختلاط بين الحيوان والإنسان اقتناء الإنسان لحيوانات غير مألوفة بالمنازل شملت حتى الأسود والنمور والثعابين، ويقدر أن حجم التجارة غير المشروعة فى الحيوانات غير المصرح ببيعها (وبعضها معرض للانقراض) يبلغ مليار دولار سنويا! عنصر مساعد آخر هو انتشار عادات أكل الحيوانات الغريبة أو استخدام أجزاء منها فى طقوس طوطمية أو كعلاجات لأمراض أو مشاكل إنسانية فى مناطق بعض شعوب آسيا وأفريقيا!

ولكن لماذا تميز وباء كوفيد 19 عن تلك الأوبئة السابقة بكونه وباءً عالمياً بينما كان معظمها أوبئة محلية أو إقليمية؟ نعرف من علم المناعة أن هناك ثلاث عوامل مرضية تحدد شدة الإصابة بأى مرض هى قوة الكائن المسبب، ومناعة الشخص المعرض للإصابة، ومقدار الجرعة المسببة للمرض، هذا بالطبع غير البعد البيئى المواتى أو غير المواتى للانتشار. وتتميز الفيروسات ذات الأصل الحيوانى بأن جسم الإنسان لا يتعرف عليها وليست لديه مناعة طبيعية ضدها. كما يتميز كوفيد 19 بأنه سهل الانتشار حيث يعدى الشخص المصاب عددا كبيرا من الناس (والنسبة فى الأنفلونزا العادية مثلا هى شخص واحد لكل شخص مصاب)، كما أن الجرعة المسببة للعدوى هى عدد صغير من أفراد الفيروس. أما آثاره المرضية فهى مهلكة وقاتلة وإن بنسب تتراوح بين 3-5% من المرضى، أساسا بسبب مضاعفاته على الرئة.

كان يعتقد أن الإصابة بمرض الالتهاب الرئوى الفيروسى فى حالة كوفيد 19 يؤدى إلى الإصابة بمتلازمة خطيرة قاتلة تسمى متلازمة الإجهاد الرئوى الحاد للبالغين Adult Respiratory Distress Syndrome (ARDS). ولكن هناك أبحاث حديثة تختلف مع هذا التفسير وتقول أن دراسة الحالات التشريحية التى توفيت بهذا المرض فى إيطاليا تثبت أن السبب الرئوى للوفاه ناتج عن جلطات رئوية كثيرة صغيرة وليس ARDS، ويقول البعض أن العلاج بمضادات التجلط يحقق نجاحا هاما، ولكن الموضوع يحتاج بلا شك لأبحاث أوسع للخروج بنتائج قاطعة.

والآن ما هو مآل المرض قريبا وبعيدا؟ تتراوح التقديرات أن نسب الإصابة به فى مختلف المجتمعات تتراوح بين 40- 80% من السكان، ولكن المشاهد أن الإصابة فى أشدها بدأت فى الصين، ثم انتقلت بؤرة الوباء إلى أوروبا ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. أما فى بلدان الشرق الأوسط (ما عدا إيران) وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فما زال الانتشار فيها محدودا حتى الآن، والسبب مجهول، وربما كان بسبب قلة انتشار الفيروس فى البيئات الحارة، أو انتشار تطعيم السل فى تلك البلدان، والتى يعتقد أنها ترفع المناعة بشكل عام، أو فى التركيبة الديمغرافية (السكانية) المختلفة حيث زيادة نسبة كبار السن فى المجتمعات المتقدمة وزيادة نسب الشباب فى النامية.

ومن المعروف أن 40% ممن يصابون بالمرض يشفون بدون أعراض تقريبا، و40% آخرين يعانون من أعراض بسيطة. ويحتاج حوالى 15% إلى المساعدة والعلاج الذى يشمل المستشفيات، بينما يحتاج حوالى 7% إلى الرعايات المركزة ويتوفى 3 إلى 5%. ولكن ما هو مآل الوباء أو الجائحة؟

وبالطبع فالمآل البعيد للوباء معروف، فهو، مثل كل الأوبئة فى تاريخ البشرية، إلى زوال والبشرية تنتصر حتى فى الحالات التاريخية قبل التقدم العلمى مثل وباء الطاعون أو الموت الأسود الذى انتشر فى منتصف القرن الرابع عشر وقضى على ما يتراوح بين ثلث ونصف سكان العالم! والآن ونحن فى مستوى التقدم العلمى للقرن الواحد والعشرين سننتصر أيضا ولكن بالتأكيد ستختلف الآثار الضارة جذريا. الجهود الآن تشتمل على إجراءات العزل والتباعد الاجتماعى ومنع السفر الداخلى والخارجى وإغلاق محال الترفيه من مقاهى وسنيمات وغيرها والأخذ بأدوات الوقاية الشخصية من كمامات وقفازات وملابس وغسيل الأيدى، بجانب الجهود التشخيصية والعلاجية بالمستشفيات والرعايات المركزة، بالإضافة للأبحاث التى تدور على مدار الساعة فى الدول المتقدمة علميا (وليس اقتصاديا بالضرورة كما نرى فى حالة كوبا).

إذن فالجهود تتجه إلى أفضل حصار للوباء وتقليل الإصابات والوفيات وتقريب يوم الخلاص من الجائحة بأقل الخسائر الممكنة فى الأرواح. ولكن هذا يواجه مشاكل مهمة جوهرها مشاكل اجتماعية واقتصادية، مثل توافر المواد المطلوبة، وعجز قطاعات من الجمهور عن العمل وانتشار البطالة وزيادة الفقر، وزيادة التفاوت بين الفقراء والأغنياء وضعف أسباب الوقاية، فمثلا تحذر المنظمات الدولية من أن نحو ثلاثة مليارات يشكلون نحو نصف البشرية لا يملكون الماء الجارى النقى ولا الصابون! إلا أن موضوع علاقة وباء الكورونا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والتأثيرات المستقبلية للجائحة تحتاج إلى معالجة مستقلة قادمة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
soulta4

مجانى
عرض