الدكتورة أماني فؤاد تكتب: أوجاعها غير المُدلَّلة

ذهبتْ حيثُ النقطة التي كانا يتوقفان عندها قبل أن يودعها في كل مرة، بحثت عن اللافتة فلم تجدها، نظرت برويّة ثم أوقفت السيارة تماما، لا شيء، حَسِبتْ أنها أخطأت الموقع فتقدمت لمسافة. لم ترها، استدارت وعادت للمكان نفسه، فشعرت بشيء غريب هش لم تتبينه على نحو واضح.

ربما أزيحت محطتهما لشارع آخر جانبي! راحت تبحث في الشوارع المتفرعة، تبحث عنه، عن مذاق شفتيه اللتين كانتا تسردان لشفتيها حكايات محلقة كالسحاب، ارتعاشات بشرتها تحت أصابعه وهي ترسم ملامح وجهها لينحتها في صدره قبل أن يغادرها، تتلمس بصماته على روحها، بحثت عن رائحته وصوته وكلماته، عن سخريته منها حين تضيع في الأماكن، استرجعت دلال أوجاعها الصغيرة إثر ضغطة ذراعه القوية حين كان يعانق خصرها.

ربما انتقلت محطتهما إلى أحد الشوارع الكثيرة التي مروا بها، كأنها قد غادرت مكانها الدائم! عليها أن تمسح المدينة وطرقاتها لعلها تجده، أو تجد لافتة المحطة التي سمّاها بنفسه، أو قد يتنزل مع أمطاره التي أغرقها بها في أول لقاء لهما، عادت للنقطة نفسها مرة أخرى.. لا شيء.

هو ذاته المكان، تعرفه، سور من الأسلاك الشائكة التي تحيط بالنادي الرياضي الكبير، النباتات المتسلقة ذاتها، تتلفت حولها فترى لأول مرة أبراج المراقبة المرتفعة التي كان ينبهها منها في كل مرة تُوقف السيارة.

وهي معه أشياء كثيرة رغم فداحتها لم تكن تكترث لها: كاميرات التلصص، الأسلاك الشائكة، الوجوه الفضولية العابرة، عذابات الحنين. جميعها الآن موجودات سمجة تحتل المشهد كاملا. لمحت فقط ذات الزهرات الصفراء المنثورة التي ودّت في كل مرة توقَّفَا فيها هناك أن تلمسها.

قفزت عيناها بعيدا خلف الأسوار ربما تجده، لأول مرة ترى فوهات البنادق الآلية المشرعة نحو الطريق، ونحوها، نحو السائرين والباعة الجائلين، نحو العصافير والهواء، لم يعد هو المكان، منذ متى نُصِبَت كل تلك المتاريس؟! شيء ما أزاح الأرض التي تعرفها.

أين النقطة التي كانا فيها يفترقان، وفي كل مرة عندها يلتقيان؟ كأن يدا شيطانية اقتطعتها من الطريق. المدى يخلو من صوته، ومن موسيقى جواله، من سجائره وقداحته الإلكترونية ، من عينيه القلقتين دائما، المستسلمتين للرحيل، لكن المشهد أيضا يتأوه صارخا بأوجاعها الكبيرة غير المدللة على الإطلاق.

نظرت حائرة إلى السماء، هالها رقعة مقتطعة من الأرض كأنها تعرفها، بدت كأنها جزيرة صغيرة معلقة بالهواء، تتحرك بأشجارها والطيور، بطريقها المزدوج واللافتة، بسيارتها ورجلها الذي كان، بعدد من أعمدة الإضاءة، برائحة عطره الحار، نظرت جيدا فوجدت ذات الأزهار الصفراء، لكنها لم تلحظ الأسلاك الشائكة ولا أبراج المراقبة، المدهش أنها تحسست نفسها فلم تعرف لها موقعا، أهي بالأرض أم بالرقعة المعلقة في الفراغ ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
soulta4

مجانى
عرض